فصل: محمد بن إبراهيم بن يوسف بن محمد

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البداية والنهاية **


 ثم دخلت سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة

في هذه السنة استقر أمر الخليفة المطيع لله في دار الخلافة، واصطلح معز الدولة بن بويه وناصر الدولة بن حمدان على ذلك، ثم حارب ناصر الدولة تكين التركي فاقتتلا مرات متعددة، ثم ظفر ناصر الدولة بتكين فسمل بين يديه، واستقر أمره بالموصل والجزيرة، واستحوذ ركن الدولة على الري وانتزعها من الخراسانية، واتسعت مملكة بني بويه جداً، فإنه صار بأيديهم أعمال الري والجبل وأصبهان وفارس والأهواز والعراق، ويحمل إليهم ضمان الموصل وديار ربيعة من الجزيرة وغيرها‏.‏

ثم اقتتل جيش معز الدولة وجيش أبي القاسم البريدي، فهزم أصحاب البريدي وأسر من أعيانهم جماعة كثيرة‏.‏

وفيها‏:‏ وقع الفداء بين الروم والمسلمين على يد نصر المستملي أمير الثغور لسيف الدولة بن حمدان، فكان عدة الأسارى نحواً من ألفين وخمسمائة مسلم ولله الحمد والمنة‏.‏

 وممن توفي فيها من الأعيان‏:‏

 الحسين بن حمويه بن الحسين

القاضي الاستراباذي، روى الكثير وحدث، وكان له مجلس للإملاء، وحكم ببلده مدة طويلة، وكان من المجتهدين في العبادة المتهجدين بالأسحار، ويضرب به المثل في ظرفه وفكاهته‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 245‏)‏

وقد مات فجأة على صدر جاريته عند إنزاله‏.‏

 عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الله

أبو عبد الله الختلي، سمع ابن أبي الدنيا وغيره، وحدث عنه الدارقطني وغيره، وكان ثقة نبيلاً حافظاً، حدث من حفظه بخمسين ألف حديث‏.‏

عبد السلام بن رغبان بن عبد السلام بن حبيب بن عبد الله بن رغبان بن زيد بن تميم أبو محمد الكلبي، الملقب بديك الجن الشاعر الماجن الشيعي‏.‏

ويقال‏:‏ إنه من موالي بني تميم، وله أشعار قوية، خمارية وغير خمارية، وقد استجاد أبو نواس شعره في الخماريات‏.‏

 علي بن عيسى بن داود ابن الجراح

أبو الحسن الوزير للمقتدر والقاهر، ولد سنة خمس وأربعين ومائتين وسمع الكثير، وعنه الطبراني وغيره، وكان ثقة نبيلاً فاضلاً عفيفاً، كثير التلاوة والصيام والصلاة، يحب أهل العلم ويكثر مجالستهم، أصله من الفرس، وكان من أكبر القائمين على الحلاج‏.‏

وروي عنه أنه قال‏:‏ كسبت سبعمائة ألف دينار أنفقت منها في وجوه الخير ستمائة ألف وثمانين ألفاً‏.‏

ولما دخل مكة حين نفي من بغداد طاف بالبيت وبالصفا والمروة في حر شديد، ثم جاء إلى منزله فألقى نفسه وقال‏:‏ أشتهي على الله شربة ثلج‏.‏

فقال له بعض أصحابه‏:‏ هذا لا يتهيأ ههنا‏.‏

فقال‏:‏ أعرف ولكن سيأتي به الله إذا شاء، وأصبر إلى المساء‏.‏

فلما كان في أثناء النهار جاءت سحابة فأمطرت وسقط منها برد شديد كثير، فجمع له صاحبه من ذلك البرد شيئاً كثيراً وخبأه له، وكان الوزير صائماً، فلما أمسى جاء به، فلما جداء المسجد أقبل إليه صاحبه بأنواع الأشربة وكلها بثلج، فجعل الوزير يسقيه لمن حواليه من الصوفية والمجاورين، ولم يشرب هو منه شيئاً، فلما رجع إلى المنزل جئته بشيء من ذلك الشراب كنا خبأناه له، وأقسمت عليه ليشربنه فشربه بعد جهد جهيد، وقال‏:‏ أشتهي لو كنت تمنيت المغفرة‏.‏

رحمه الله وغفر له‏.‏

ومن شعره قوله‏:‏

فمن كان عني سائلاً بشماتةٍ * لما نابني أو شامتاً غير سائل

فقد أبرزت مني الخطوب ابن حرة * صبوراً على أهوال تلك الزلازل

وقد روى أبو القاسم علي بن الحسن التنوخي عن أبيه عن جماعة‏:‏ أن عطاراً من أهل الكرخ كان مشهوراً بالسنة، ركبه ستمائة دينار ديناً فأغلق دكانه وانكسر عن كسبه ولزم منزله، وأقبل على الدعاء والتضرع والصلاة ليالي كثيرة، فلما كان في بعض تلك الليالي رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وهو يقول له‏:‏ اذهب إلى علي بن عيسى الوزير فقد أمرته لك بأربعمائة دينار‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 246‏)‏

فلما أصبح الرجل قصد باب الوزير فلم يعرفه أحد، فجلس لعل أحدا يستأذن له على الوزير حتى طال عليه المجلس وهمّ بالإنصراف، ثم إنه قال لبعض الحجبة‏:‏ قل للوزير إني رجل رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وأنا أريد أن أقصه على الوزير‏.‏

فقال له الحاجب‏:‏ وأنت صاحب الرؤيا‏؟‏

إن الوزير قد أنفذ في طلبك رسلاً متعددة‏.‏

ثم دخل الحجاب فأخبروا الوزير فقال‏:‏ أدخله عليّ سريعاً‏.‏

فدخل عليه فأقبل عليه الوزير يستعلم عن حاله واسمه وصفته ومنزله، فذكر ذلك له، فقال له الوزير‏:‏ إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يأمرني بإعطائك أربعمائة دينار، فأصبحت لا أدري من أسأل عنك، ولا أعرفك ولا أعرف أين أنت، وقد أرسلت في طلبك إلى الآن عدة رسل، فجزاك الله خيراً عن قصدك إياي‏.‏

ثم أمر الوزير بإحضار ألف دينار فقال‏:‏ هذه أربعمائة دينار لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وستمائة هبة من عندي‏.‏

فقال الرجل‏:‏ لا والله لا أزيد على ما أمرني به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإني أرجو الخير والبركة فيه‏.‏

ثم أخذ منها أربعمائة دينار، فقال الوزير‏:‏ هذا هو الصدق واليقين‏.‏

فخرج ومعه الأربعمائة دينار فعرض على أرباب الديون أموالهم فقالوا‏:‏ نحن نصبر عليك ثلاث سنين، وافتح بهذا الذهب دكانك ودم على كسبك‏.‏

فأبى إلا أن يعطيهم من أموالهم الثلث، فدفع إليهم مائتي دينار، وفتح حانوته بالمائتي دينار الباقية، فما حال عليه الحول حتى ربح ألف دينار‏.‏

ولعلي بن عيسى الوزير أخبار كثيرة صالحة‏.‏

كانت وفاته في هذه السنة عن تسعين سنة‏.‏

ويقال‏:‏ في التي قبلها والله أعلم‏.‏

 محمد بن إسماعيل

ابن إسحاق بن بحر أبو عبد الله الفارسي الفقيه الشافعي، كان ثقة ثبتاً فاضلاً، سمع أبا زرعة الدمشقي وغيره، وعنه الدارقطني وغيره وآخر من حدث عنه أبو عمر بن مهدي، توفي في شوال من هذه السنة‏.‏

 هارون بن محمد

ابن هارون بن علي بن موسى بن عمرو بن جابر بن يزيد بن جابر بن عامر بن أسيد بن تميم بن صبح بن ذهل بن مالك بن سعيد بن حبنة أبو جعفر، والد القاضي أبي عبد الله الحسن بن هارون‏.‏

كان أسلافه ملوك عمان في قديم الزمان، وجده يزيد بن جابر أدرك الإسلام فأسلم وحسن إسلامه، وكان هارون هذا أول من انتقل من أهله من عمان فنزل بغداد وحدث بها، وروى عن أبيه، وكان فاضلاً متضلعاً من كل فن، وكانت داره مجمع العلماء في سائر الأيام، ونفقاته دارّة عليهم، وكان له منزلة عالية، ومهابة ببغداد، وقد أثنى عليه الدارقطني ثناء كثيراً، وقال‏:‏ كان مبرزاً في النحو واللغة والشعر، ومعاني القرآن، وعلم الكلام‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 247‏)‏

قال ابن الأثير‏:‏ وفيها توفي أبو بكر محمد بن عبد الله بن العباس بن صول الصولي، وكان عالماً بفنون الآداب والأخبار، وإنما ذكره ابن الجوزي في التي بعدها كما سيأتي‏.‏

أبو العباس بن القاص أحمد بن أبي أحمد الطبري

الفقيه الشافعي، تلميذ ابن سريج له كتاب ‏(‏التلخيص‏)‏ وكتاب ‏(‏المفتاح‏)‏، وهو مختصر شرحه أبو عبد الله الحسين، وأبو عبد الله السنجي أيضاً، وكان أبوه يقص على الناس الأخبار والآثار، وأما هو فتولى قضاء طرسوس وكان يعظ الناس أيضاً، فحصل له مرة خشوع فسقط مغشياً عليه فمات في هذه السنة‏.‏

 ثم دخلت سنة ست وثلاثين وثلاثمائة

فيها خرج معز الدولة والخليفة المطيع لله من بغداد إلى البصرة فاستنقذاها من يد أبي القاسم بن البريدي، وهرب هو وأكثر أصحابه، واستولى معز الدولة على البصرة وبعث يتهدد القرامطة ويتوعدهم بأخذ بلادهم، وزاد في إقطاع الخليفة ضياعاً تعمل في كل سنة مائتي ألف دينار، ثم سار معز الدولة لتلقي أخيه عماد الدولة بالأهواز فقبل الأرض بين يدي أخيه وقام بين يديه مقاماً طويلاً، فأمره بالجلوس فلم يفعل‏.‏

ثم عاد إلى بغداد صحبة الخليفة فتمهدت الأمور جيداً‏.‏

وفي هذه السنة استحوذ ركن الدولة على بلاد طبرستان وجرجان من يد وشمكير أخي مرداويج ملك الديلم، فذهب وشمكير إلى خراسان يستنجد بصاحبها كما سيأتي‏.‏

 وممن توفي فيها من الأعيان‏:‏

 أبو الحسين بن المنادي

أحمد بن جعفر بن محمد بن عبيد الله بن يزيد، سمع جده وعباساً الدوري ومحمد بن إسحاق الصاغاني‏.‏

وكان ثقة أميناً حجة صادقاً، صنف كثيراً وجمع علوماً جمة، ولم يسمع الناس منها إلا اليسير، وذلك لشراسة أخلاقه‏.‏

وآخر من روى عنه محمد بن فارس اللغوي، ونقل ابن الجوزي عن أبي يوسف القدسي أنه قال‏:‏ صنف أبو الحسن بن المنادي في علوم القرآن أربعمائة كتاب، ونيفاً وأربعين كتاباً، ولا يوجد في كلامه حشو، بل هو نقي الكلام جمع بين الرواية والدراية‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 248‏)‏

وقال ابن الجوزي‏:‏ ومن وقف على مصنفاته علم فضله وإطلاعه ووقف على فوائد لا توجد في غير كتبه‏.‏

توفي في محرم من هذه السنة عن ثمانين سنة‏.‏

 الصولي محمد بن عبد الله بن العباس

ابن محمد صول أبو بكر الصولي، كان أحد العلماء بفنون الأدب وحسن المعرفة بأخبار الملوك، وأيام الخلفاء ومآثر الأشراف وطبقات الشعراء‏.‏

روى عن أبي داود السجستاني والمبرد وثعلب وأبي العيناء وغيرهم‏.‏

وكان واسع الرواية جيد الحفظ حاذقاً بتصنيف الكتب‏.‏

وله كتب كثيرة هائلة، ونادم جماعة من الخلفاء، وحظي عندهم، وكان جده صول وأهله ملوكاً بجرجان، ثم كان أولاده من كبار الكتاب، وكان الصولي هذا جيد الاعتقاد حسن الطريقة، وله شعر حسن، وقد روى عنه الدارقطني وغيره من الحفاظ‏.‏

ومن شعره قوله‏:‏

أحببت من أجله من كان يشبهه * وكل شيء من المعشوق معشوق

حتى حكيت بجسمي ماء مقلته * كأن سقمي من عينيه مسروق

خرج الصولي من بغداد إلى البصرة لحاجة لحقته فمات بها في هذه السنة‏.‏

وفيها‏:‏ كانت وفاة ابنة الشيخ أبي الزاهد المكي، وكانت من العابدات الناسكات المقيمات بمكة، وكانت تقتات من كسب أبيها من عمل الخوص، في كل سنة ثلاثين درهماً يرسلها إليها، فاتفق أنه أرسلها مرة مع بعض أصحابه فزاد عليها ذلك الرجل عشرين درهماً - يريد بذلك برها وزيادة في نفقتها - فلما اختبرتها قالت‏:‏ هل وضعت في هذه الدراهم شيئاً من مالك‏؟‏

أصدقني بحق الذي حججت له‏.‏

فقال‏:‏ نعم عشرين درهماً‏.‏

فقالت‏:‏ ارجع بها لا حاجة لي فيها، ولولا أنك قصدت الخير لدعوت الله عليك، فإنك قد أجعتني عامي هذا، ولم يبق لي رزق إلا من المزابل إلى قابل‏.‏

فقال‏:‏ خذي منها الثلاثين التي أرسل بها أبوك إليك ودعي العشرين‏.‏

فقالت‏:‏ لا، إنها قد اختلطت بمالك ولا أدري ما هو‏.‏

قال الرجل‏:‏ فرجعت بها إلى أبيها فأبى أن يقبلها وقال‏:‏ شققت يا هذا عليّ وضيقت عليها، ولكن اذهب فتصدق بها‏.‏

 ثم دخلت سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة

فيها ركب معز الدولة من بغداد إلى الموصل فانهزم منه ناصر الدولة إلى نصيبين، فتملك معز الدولة بن بويه الموصل في رمضان فعسف أهلها وأخذ أموالهم، وكثر الدعاء عليه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 249‏)‏

ثم عزم على أخذ البلاد كلها من ناصر الدولة بن حمدان، فجاء خبر من أخيه ركن الدولة يستنجده على من قبله من الخراسانية، فاحتاج إلى مصالحة ناصر الدولة على أن يحمل ما تحت يده من بلاد الجزيرة والشام في كل سنة ثمانية آلاف ألف درهم، وأن يخطب له ولأخويه عماد الدولة وركن الدولة على منابر بلاده كلها ففعل‏.‏

وعاد معز الدولة إلى بغداد وبعث إلى أخيه بجيش هائل، وأخذ له عهد الخليفة بولاية خراسان‏.‏

وفيها‏:‏ دخل سيف الدولة بن حمدان صاحب حلب إلى بلاد الروم، فلقيه جمع كثيف من الروم فاقتتلوا قتالاً شديداً فانهزم سيف الدولة وأخذت الروم ما كان معهم، وأوقعوا بأهل طرسوس بأساً شديداً، فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏

قال ابن الجوزي‏:‏ وفي رمضان انتهت زيادة دجلة أحد وعشرين ذراعاً وثلثاً‏.‏

 وممن توفي فيها من الأعيان‏:‏

 عبد الله بن محمد بن حمدويه

ابن نعيم بن الحكم أبو محمد البيع، وهو والد الحاكم أبي عبد الله النيسابوري، أذن ثلاثاً وستين سنة وغزا اثنتين وعشرين غزوة، وأنفق على العلماء مائة ألف، وكان يقوم الليل كثيراً، وكان كثير الصدقة، أدرك عبد الله بن أحمد بن حنبل ومسلم بن الحجاج، وروى عن ابن خزيمة وغيره، وتوفي عن ثلاث وتسعين سنة‏.‏

قدامة الكاتب المشهور

هو قدامة بن جعفر بن قدامة أبو الفرج الكاتب، له مصنف في الخراج وصناعة الكتابة، وبه يقتدي علماء هذا الشأن، وقد سأل ثعلباً عن أشياء‏.‏

محمد بن علي بن عمر أبو علي المذكر الواعظ بنيسابور، كان كثير التدليس عن المشايخ الذين لم يلقهم، توفي في هذه السنة عن مائة وسبع سنين سامحه الله‏.‏

محمد بن مطهر بن عبد الله

أبو المنجا الفقيه الفرضي المالكي، له كتاب في الفقه على مذهب مالك، وله مصنفات في الفرائض قليلة النظير، وكان أديباً إماماً فاضلاً صادقاً، رحمه الله‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 250‏)‏

 ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة

في ربيع الأول منها وقعت فتنة بين الشيعة وأهل السنة، ونهبت الكرخ‏.‏

وفي جمادى الآخرة تقلد أبو السائب عتبة بن عبيد الله الهمداني قضاء القضاة‏.‏

وفيها‏:‏ خرج رجل يقال له‏:‏ عمران بن شاهين، كان قد استوجب بعض العقوبات، فهرب من السلطان إلى ناحية البطائح، وكان يقتات مما يصيده من السمك والطيور، والتف عليه خلق من الصيادين وقطاع الطريق، فقويت شوكته واستعمله أبو القاسم بن البريدي على بعض تلك النواحي، وأرسل إليه معز الدولة بن بويه جيشاً مع وزيره أبي جعفر بن بويه الضميري، فهزم ذلك الصياد الوزير، واستحوذ على ما معه من الأموال، فقويت شوكة ذلك الصياد، ودهم الوزير وفاة عماد الدولة بن بويه وهو‏:‏

أبو الحسن علي بن بويه

وهو أكبر أولاد بويه وأول من تملك منهم، وكان عاقلاً حاذقاً حميد السيرة رئيساً في نفسه‏.‏

كان أول ظهوره في سنة ثنتين وعشرين وثلاثمائة كما ذكرنا‏.‏

فلما كان في هذا العام قويت عليه الأسقام وتواترت عليه الآلام، فأحس من نفسه بالهلاك، ولم يفاده ولا دفع عنه أمر الله ما هو فيه من الأموال والملك وكثرة الرجال والأموال، ولا رد عنه جيشه من الديالم والأتراك والأعجام، مع كثرة العدد والعدد، بل تخلوا عنه أحوج ما كان إليهم، فسبحان الله الملك القادر القاهر العلام‏.‏

ولم يكن له ولد ذكر، فأرسل إلى أخيه ركن الدولة يستدعيه إليه وولده عضد الدولة، ليجعله ولي عهده من بعده، فلما قدم عليه فرح به فرحاً شديداً، وخرج بنفسه في جميع جيشه يتلقاه، فلما دخل به إلى دار المملكة أجلسه على السرير وقام بين يديه كأحد الأمراء، ليرفع من شأنه عند أمرائه ووزرائه وأعوانه‏.‏

ثم عقد له البيعة على ما يملكه من البلدان والأموال، وتدبير المملكة والرجال‏.‏

وفيهم من بعض رؤوس الأمراء كراهة لذلك، فشرع في القبض عليهم وقتل من شاء منهم وسجن آخرين، حتى تمهدت الأمور لعضد الدولة‏.‏

ثم كانت وفاة عماد الدولة بشيراز في هذه السنة، عن سبع وخمسين سنة، وكانت مدة ملكه ست عشرة سنة، وكان من خيار الملوك في زمانه، وكان ممن حاز قصب السبق دون أقرانه، وكان هو أمير الأمراء، وبذلك كان يكاتبه الخلفاء، ولكن أخوه معز الدولة كان ينوب عنه في العراق والسواد‏.‏

ولما مات عماد الدولة اشتغل الوزير أبو جعفر الضميري عن محاربة عمران بن شاهين الصياد - وكان قد كتب إليه معز الدولة أن يسير إلى شيراز ويضبط أمرها - فقوي أمر عمران بعد ضعفه، وكان من أمره ما سيأتي في موضعه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 251‏)‏

 وممن توفي فيها من الأعيان‏:‏

 أبو جعفر النحاس النحوي‏.‏

أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس

أبو جعفر المرادي المصري النحوي المعروف بالنحاس، اللغوي المفسر الأديب، له مصنفات كثيرة في التفسير وغيره، وقد سمع الحديث ولقي أصحاب المبرد، وكانت وفاته في ذي الحجة من هذه السنة‏.‏

قال ابن خلكان‏:‏ لخمس خلون منها يوم السبت‏.‏

وكان سبب وفاته‏:‏ أنه جلس عند المقياس يقطع شيئاً من العروض، فظنه بعض العامة يسحر النيل فرفسه برجله فسقط فغرق، ولم يدر أين ذهب‏.‏

وقد كان أخذ النحو عن علي بن سليمان الأحوص وأبي بكر الأنباري وأبي إسحاق الزجاج ونفطويه وغيرهم، وله مصنفات كثيرة مفيدة، منها ‏(‏تفسير القرآن‏)‏ و‏(‏الناسخ والمنسوخ‏)‏وشرح أبيات سيبويه، ولم يصنف مثله، وشرح المعلقات والدواوين العشرة، وغير ذلك‏.‏

وروى الحديث عن النسائي، وكان بخيلاً جداً، وانتفع الناس به‏.‏

وفيها كانت وفاة الخليفة‏:‏

 المستكفي بالله

عبد الله بن علي المكتفي بالله، وقد ولي الخلافة سنة وأربعة أشهر ويومين، ثم خلع وسملت عيناه كما تقدم ذكره‏.‏

توفي في هذه السنة وهو معتقل في داره، وله من العمر ست وأربعون سنة وشهران‏.‏

علي بن حمشاد بن سحنون بن نصر

أبو المعدل، محدث عصره بنيسابور، رحل إلى البلدان وسمع الكثير وحدث وصنف مسنداً أربعمائة جزء، وله غير ذلك مع شدة الإتقان والحفظ، وكثرة العبادة والصيانة والخشية لله عز وجل‏.‏

قال بعضهم‏:‏ صحبته في السفر والحضر فما أعلم أن الملائكة كتبت عليه خطيئة‏.‏

وله تفسير في مائتي جزء ونيف، ودخل الحمام من غير مرض فتوفي فيه فجأة، وذلك يوم الجمعة الرابع عشر من شوال من هذه السنة رحمه الله‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 252‏)‏

علي بن محمد بن أحمد بن الحسن

أبو الحسن الواعظ البغدادي، ارتحل إلى مصر فأقام بها حتى عرف بالمصري، سمع الكثير وروى عنه الدارقطني وغيره، وكان له مجلس وعظ يحضر فيه الرجال والنساء، وكان يتكلم وهو مبرقع لئلا يرى النساء حسن وجهه، وقد حضر مجلسه أبو بكر النقاش مستخفياً فلما سمع كلامه قام قائماً وشهر نفسه وقال له‏:‏ القصص بعدك حرام‏.‏

قال الخطيب‏:‏ كان ثقة أميناً عارفاً، جمع حديث الليث وابن لهيعة وله كتب كثيرة في الزهد‏.‏

توفي في ذي القعدة منها، وله سبع وثمانون سنة والله أعلم‏.‏

 ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة

في هذه السنة المباركة في ذي القعدة منها رد الحجر الأسود المكي إلى مكانه في البيت، وقد كان القرامطة أخذوه في سنة سبع عشرة وثلاثمائة كما تقدم، وكان ملكهم إذ ذاك أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الحسين الجنابي، ولما وقع هذا أعظم المسلمون ذلك، وقد بذل لهم الأمير بجكم التركي خمسين ألف دينار على أن يردوه إلى موضعه فلم يفعلوا، وقالوا‏:‏ نحن أخذناه بأمر فلا نرده إلا بأمر من أخذناه بأمره‏.‏

فلما كان في هذا العام حملوه إلى الكوفة وعلقوه على الأسطوانة السابعة من جامعها ليراه الناس، وكتب أخو أبي طاهر كتاباً فيه‏:‏ إنا أخذنا هذا الحجر بأمر وقد رددناه بأمر من أمرنا بأخذه ليتم حج الناس ومناسكهم‏.‏

ثم أرسلوه إلى مكة بغير شيء على قعود، فوصل في ذي القعدة من هذه السنة ولله الحمد والمنة، وكان مدة مغايبته عنده ثنتين وعشرين سنة، ففرح المسلمون لذلك فرحاً شديداً‏.‏

وقد ذكر غير واحد أن القرامطة لما أخذوه حملوه على عدة جمال فعطبت تحته، واعترى أسنمتها القرح، ولما ردوه حمله قعود واحد ولم يصبه أذى‏.‏

وفيها‏:‏ دخل سيف الدولة بن حمدان بجيش عظيم نحو من ثلاثين ألفاً إلى بلاد الروم، فوغل فيها وفتح حصوناً وقتل خلقاً وأسر أمماً وغنم شيئاً كثيراً ثم رجع، فأخذت عليه الروم الدرب الذي يخرج منه فقتلوا عامة من معه وأسروا بقيتهم واستردوا ما كان أخذه، ونجا سيف الدولة في نفر يسير من أصحابه‏.‏

وفيها‏:‏ مات الوزير أبو جعفر الضميري، فاستوزر معز الدولة مكانه أبا محمد الحسين بن محمد المهلبي في جمادى الأولى‏.‏

فاستفحل أمر عمران بن شاهين الصياد وتفاقم الأمر به، فبعث إليه معز الدولة جيشاً بعد جيش، كل ذلك يهزمهم مرة بعد مرة، ثم عدل معز الدولة إلى مصالحته واستعماله له على بعض تلك النواحي، ثم كان من أمره ما سنذكره إن شاء الله تعالى‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 253‏)‏

 وممن توفي فيها من الأعيان‏:‏

 الحسن بن داود بن باب شاذ

أبو الحسن المصري قدم بغداد‏.‏

كان من أفاضل الناس وعلمائهم بمذهب أبي حنيفة، مبسوط الذكاء قوي الفهم، كتب الحديث، وكان ثقة‏.‏

مات ببغداد في هذه السنة، ودفن بمقبرة الشونيزية ولم يبلغ من العمر أربعين سنة‏.‏

محمد القاهر بالله أمير المؤمنين

ابن المعتضد بالله، ولي الخلافة سنة وستة أشهر وسبعة أيام، وكان بطاشاً سريع الانتقام، فخاف منه وزيره أبو علي بن مقلة فاستتر منه فشرع في العمل عليه عند الأتراك، فخلعوه وسملوا عينيه وأودع دار الخلافة برهة من الدهر، ثم أخرج في سنة ثلاث وثلاثين إلى دار ابن طاهر، وقد نالته فاقة وحاجة شديدة، وسأل في بعض الأيام‏.‏

ثم كانت وفاته في هذا العام، وله ثنتان وخمسون سنة، ودفن إلى جانب أبيه المعتضد‏.‏

محمد بن عبد الله بن أحمد

أبو عبد الله الصفار الأصبهاني محدث عصره بخراسان، سمع الكثير وحدث عن ابن أبي الدنيا ببعض كتبه، وكان مجاب الدعوة، ومكث لا يرفع رأسه إلى السماء نيفاً وأربعين سنة، وكان يقول‏:‏ اسمي محمد واسم أبي عبد الله واسم أمي آمنة‏.‏

يفرح بهذه الموافقة في الاسم واسم الأب واسم الأم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان اسمه محمد، واسم أبيه عبد الله، وأمه اسمها آمنة‏.‏

 أبو نصر الفارابي

التركي الفيلسوف، وكان من أعلم الناس بالموسيقى، بحيث كان يتوسل به وبصناعته إلى الناس في الحاضرين من المستمعين إن شاء حرك ما يبكي أو يضحك أو ينوم‏.‏

وكان حاذقاً في الفلسفة، ومن كتبه تفقه ابن سينا، وكان يقول‏:‏ بالمعاد الروحاني لا الجثماني، ويخصص بالمعاد الأرواح العالمة لا الجاهلة، وله مذاهب في ذلك يخالف المسلمين والفلاسفة من سلفه الأقدمين، فعليه إن كان مات على ذلك لعنة رب العالمين‏.‏

مات بدمشق فيما قاله ابن الأثير في ‏(‏كامله‏)‏، ولم أر الحافظ ابن عساكر ذكره في تاريخه لنتنه وقباحته فالله أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 254‏)‏

 ثم دخلت سنة أربعين وثلاثمائة

فيها‏:‏ قصد صاحب عمان البصرة ليأخذها في مراكب كثيرة، وجاء لنصره أبو يعقوب الهجري فمانعه الوزير أبو محمد المهلبي وصده عنها، وأسر جماعة من أصحابه وسبا سبياً كثيراً من مراكبه فساقها معه في دجلة، ودخل بها إلى بغداد في أبهة عظيمة، ولله الحمد‏.‏

وفيها‏:‏ رفع إلى الوزير أبي محمد المهلبي رجل من أصحاب أبي جعفر بن أبي العز الذي كان قتل على الزندقة كما قتل الحلاج، فكان هذا الرجل يدعي ما كان يدعيه ابن أبي العز، وقد اتبعه جماعة من الجهلة من أهل بغداد، وصدقوه في دعواه الربوبية، وأن أرواح الأنبياء والصديقين تنتقل إليهم‏.‏

ووجد في منزله كتب تدل على ذلك‏.‏

فلما تحقق أنه هالك ادعى أنه شيعي ليحضر عند معز الدولة بن بويه، وقد كان معز الدولة بن بويه يحب الرافضة قبحه الله‏.‏

فلما اشتهر عنه ذلك لم يتمكن الوزير منه خوفاً على نفسه من معز الدولة، وأن تقوم عليه الشيعة، إنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏

ولكنه احتاط على شيء من أموالهم، فكان يسميها أموال الزنادقة‏.‏

قال ابن الجوزي‏:‏ وفي رمضان منها وقعت فتنة عظيمة بسبب المذهب‏.‏

 وممن توفي فيها من الأعيان‏:‏

أشهب بن عبد العزيز بن أبي داود بن إبراهيم أبو عمرو العامري - نسبة إلى عامر بن لؤي - كان أحد الفقهاء المشهورين، توفي في شعبان منها‏.‏

 أبو الحسن الكرخي

أحد أئمة الحنفية المشهورين، ولد سنة ستين ومائتين، وسكن بغداد ودرس فقه أبي حنيفة، وانتهت إليه رئاسة أصحابه في البلاد، وكان متعبداً كثير الصلاة والصوم، صبوراً على الفقر، عزوفاً عما في أيدي الناس، وكان مع ذلك رأساً في الاعتزال، وقد سمع الحديث من إسماعيل بن إسحاق القاضي، وروى عنه حيوة وابن شاهين‏.‏

وأصابه الفالج في آخر عمره، فاجتمع عنده بعض أصحابه واشتوروا فيما بينهم أن يكتبوا إلى سيف الدولة بن حمدان ليساعده بشيء يستعين به في مرضه، فلما علم بذلك رفع رأسه إلى السماء وقال‏:‏ اللهم لا تجعل رزقي إلا من حيث عودتني‏.‏

فمات عقب ذلك قبل أن يصل إليه ما أرسل به سيف الدولة، وهو عشرة آلاف درهم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 255‏)‏

فتصدقوا بها بعد وفاته في شعبان من هذه السنة عن ثمانين سنة، وصلى عليه أبو تمام الحسن بن محمد الزينبي، وكان صاحبه، ودفن في درب أبي زيد علي نهر الواسطيين‏.‏

 محمد بن صالح بن يزيد

أبو جعفر الوراق سمع الكثير، وكان يفهم ويحفظ، وكان ثقة زاهداً لا يأكل إلا من كسب يده، ولا يقطع صلاة الليل‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ صحبته سنين كثيرة فما رأيته فعل إلا ما يرضي الله عز وجل، ولا قال إلا ما يسأل عنه، وكان يقوم أكثر الليل‏.‏

وفيها‏:‏ كانت وفاة منصور بن قرابكين صاحب الجيوش الخراسانية من جهة الأمير نوح الساماني من مرض حصل له، وقيل‏:‏ لأنه أدمن شرب الخمر أياماً متتابعة فهلك بسبب ذلك، فأقيم بعده في الجيوش أبو علي المحتاج‏.‏

الزجاجي، مصنف ‏(‏الجمل‏)‏، وهو أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق النحوي اللغوي البغدادي الأصل‏.‏

ثم الدمشقي، مصنف ‏(‏الجمل في النحو‏)‏، وهو كتاب نافع، كثير الفائدة، صنفه بمكة، وكان يطوف بعد كل باب منه ويدعو الله تعالى أن ينفع به‏.‏

أخذ النحو أولاً عن محمد بن العباس اليزيدي، وأبي بكر بن دريد، وابن الأنباري، توفي في رجب سنة سبع، وقيل‏:‏ سنة تسع وثلاثين، وقيل‏:‏ سنة أربعين، توفي في دمشق، وقيل‏:‏ بطبرية‏.‏

وقد شرح كتابه ‏(‏الجمل‏)‏ بشروح كثيرة من أحسنها وأجمعها ما وضعه ابن عصفور، والله أعلم‏.‏

 ثم دخلت سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة

فيها‏:‏ ملكت الروم سروج، وقتلوا أهلها وحرقوا مساجدها‏.‏

قال ابن الأثير‏:‏ وفيها قصد موسى بن وجيه صاحب عمان البصرة فمنعه منها المهلبي كما تقدم‏.‏

وفيها‏:‏ نقم معز الدولة على وزيره فضربه مائة وخمسين سوطاً، ولم يعزله بل رسم عليه‏.‏

وفيها‏:‏ اختصم المصريون والعراقيون بمكة، فخطبوا لصاحب مصر، ثم غلبهم العراقيون فخطبوا لركن الدولة بن بويه‏.‏

وفيها كانت وفاة‏:‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 256‏)‏

 المنصور الفاطمي

وهو أبو طاهر إسماعيل بن القائم بأمر الله أبي القاسم محمد بن عبيد الله المهدي صاحب المغرب، وله من العمر تسع وثلاثون سنة، وكانت خلافته سبع سنين وستة عشر يوماً، وكان عاقلاً شجاعاً فاتكاً قهر أبا يزيد الخارجي الذي كان لا يطاق شجاعة وإقداماً وصبراً، وكان فصيحاً بليغاً، يرتجل الخطبة على البديهة في الساعة الراهنة‏.‏

وكان سبب موته ضعف الحرارة الغريزية كما أورده ابن الأثير في ‏(‏كامله‏)‏، فاختلف عليه الأطباء، وقد عهد بالأمر إلى المعز الفاطمي وهو باني القاهرة المعزية كما سيأتي بيانه واسمه، وكان عمره إذ ذلك أربعاً وعشرين سنة، وكان شجاعاً عاقلاً أيضاً حازم الرأي، أطاعه من البربر وأهل تلك النواحي خلق كثير، وبعث مولاه جوهر القائد فبنى له القاهرة المتاخمة لمصر، واتخذ له فيها دار الملك، وهما القصران اللذان هناك - اللذان يقال لهما‏:‏ بين القصرين اليوم - وذلك في سنة أربع وستين وثلاثمائة كما سيأتي‏.‏

 وممن توفي فيها من الأعيان‏:‏

 إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن صالح

أبو علي الصفار أحد المحدثين، لقي المبرد واشتهر بصحبته، وكان مولده في سنة سبع وأربعين ومائتين، وسمع الحسن بن عرفة وعباساً الدوري وغيرهما، وروى عنه جماعة منهم الدارقطني‏.‏

وقال‏:‏ صام أربعة وثمانين رمضاناً‏.‏

وقد كانت وفاته في هذه السنة عن أربع وتسعين سنة رحمه الله تعالى‏.‏

 أحمد بن محمد بن زياد

ابن يونس بن درهم أبو سعيد بن الأعرابي، سكن مكة وصار شيخ الحرم، وصحب الجنيد بن محمد والنوري وغيرهما، وأسند الحديث وصنف كتباً للصوفية‏.‏

إسماعيل بن القائم بن المهدي الملقب بالمنصور العبيدي الذي يزعم أنه فاطمي، صاحب بلاد المغرب‏.‏

وهو والد المعز باني القاهرة، وهو باني المنصورية ببلاد المغرب‏.‏

قال أبو جعفر المروزي‏:‏ خرجت معه لما كسر أبا يزيد الخاجي، فبينما أنا أسير معه إذ سقط رمحه فنزلت فناولته إياه وذهبت أفاكهه بقول الشاعر‏:‏

فألقت عصاها واستقر بها النوى * كما قرّ عيناً بالإياب المسافر

فقال‏:‏ هلا قلت كما قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 45‏]‏‏.‏

{‏فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 118-119‏]‏‏.‏

قال‏:‏ فقلت له‏:‏ أنت ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت ببعض ما علمت، وأنا قلت بما بلغ به أكثر علمي‏.‏

قال ابن خلكان‏:‏ وهذا كما جرى لعبد الملك بن مروان حين أمر الحجاج أن يبني باباً ببيت المقدس ويكتب عليه اسمه، فبنى له باباً وبنى لنفسه باباً آخر، فوقعت صاعقة على باب عبد الملك فأحرقته، فكتب إلى الحجاج بالعراق يسأله عما أهمه من ذلك يقول‏:‏ ما أنا وأنت إلا كما قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 27‏]‏‏.‏

فرضي عنه الخليفة بذلك‏.‏

توفي المنصور في هذه السنة من برد شديد والله أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 257‏)‏

 ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة

فيها‏:‏ دخل سيف الدولة بن حمدان صاحب حلب إلى بلاد الروم، فقتل منهم خلقاً كثيراً وأسر آخرين، وغنم أموالاً جزيلة، ورجع سالماً غانماً‏.‏

وفيها‏:‏ اختلف الحجيج بمكة، ووقعت حروب بين أصحاب ابن طغج وأصحاب معز الدولة، فغلبهم العراقيون وخطبوا لمعز الدولة، ثم بعد انقضاء الحج اختلفوا أيضاً فغلبهم العراقيون أيضاً، وجرت حروب كثيرة بين الخراسانية والسامانية تقصاها ابن الأثير في ‏(‏كامله‏)‏‏.‏

 وممن توفي فيها من الأعيان‏:‏

 علي بن محمد بن أبي الفهم

أبو القاسم التنوخي جد القاضي أبي القاسم التنوخي شيخ الخطيب البغدادي، ولد بإنطاكية وقدم بغداد فتفقه بها على مذهب أبي حنيفة، وكان يعرف الكلام على طريقة المعتزلة، ويعرف النجوم ويقول الشعر، ولي القضاء بالأهواز وغيرها، وقد سمع الحديث من البغوي وغيره، وكان فهماً ذكياً حفظ وهو ابن خمس عشر سنة قصيدة دعبل الشاعر في ليلة واحدة، وهي ستمائة بيت، وعرضها على أبيه صبيحتها فقام إليه وضمه وقبل بين عينيه وقال‏:‏ يا بني لا تخبر بهذا أحداً لئلا تصيبك العين‏.‏

وذكر ابن خلكان‏:‏ أنه كان نديماً للوزير المهلبي، ووفد على سيف الدولة بن حمدان فأكرمه وأحسن إليه، وأورد له من شعره أشياء حسنة، فمن ذلك قوله في الخمر‏:‏

وراح من الشمس مخلوقة * بدت لك في قدح من نهار

هواء، ولكنه جامد * وماء، ولكنه ليس جار

كأن المدير له باليميـ * ـن إذا مال للفيء أو بالنهار

تدرع ثوباً من الياسميـ * ـن له برد كم من الجلنار‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 258‏)‏

 محمد بن إبراهيم

ابن الحسين بن الحسن بن عبد الخلاق أبو الفرج البغدادي الفقيه الشافعي، يعرف بابن سكره، سكن مصر وحدث بها، وسمع منه أبو الفتح بن مسرور، وذكر أن فيه ليناً‏.‏

محمد بن موسى بن يعقوب

بن المأمون بن الرشيد هارون أبو بكر، ولي إمرة مكة في سنة ثمان وستين ومائتين، وقدم مصر فحدث بها عن علي بن عبد العزيز البغوي بموطأ مالك‏.‏

وكان ثقة مأموناً، توفي بمصر في ذي الحجة منها‏.‏

 ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة

فيها‏:‏ كانت وقعة بين سيف الدولة بن حمدان وبين الدمستق، فقتل خلقاً من أصحاب الدمستق، وأسر آخرين في جماعة من رؤوساء بطارقته، وكان في جملة من قتل قسطنطين بن الدمستق، وذلك في ربيع الأول من هذه السنة‏.‏

ثم جمع الدمستق خلقاً كثيراً فالتقوا مع سيف الدولة في شعبان منها، فجرت بينهم حروب عظيمة وقتال شديد، فكانت الدائرة للمسلمين وخذل الله الكافرين، فقتل منهم خلق كثير، وأسر جماعة من الرؤوساء، وكان منهم صهر الدمستق وابن بنته أيضاً‏.‏

وفيها‏:‏ حصل للناس أمراض كثيرة وحمة وأوجاع في الحلق‏.‏

وفيها‏:‏ مات الأمير الحميد بن نوح بن نصر الساماني، صاحب خراسان وما وراء النهر، وقام بالأمر من بعده ولده عبد الملك‏.‏

 وممن توفي فيها من الأعيان‏:‏

 الحسن بن أحمد

أبو علي الكاتب المصري، صحب أبا علي الروذباري وغيره، وكان عثمان المغربي يعظم أمره ويقول‏:‏ أبو علي الكاتب من السالكين إلى الله‏.‏

ومن كلامه الذي حكاه عنه أبو عبد الرحمن السلمي قوله‏:‏ روائح نسيم المحبة تفوح من المحبين وإن كتموها، ويظهر عليهم دلائلها وإن أخفوها، وتبدو عليهم وإن ستروها‏.‏

وأنشد‏:‏

إذا ما استسرت أنفس الناس ذكره * تبين فيهم وإن لم يتكلموا

تطيبهم أنفاسهم فتذيعها * وهل سرّ مسك أودع الريح يكتم‏؟‏

 علي بن محمد بن عقبة بن همام

أبو الحسن الشيباني الكوفي، قدم بغداد فحدث بها عن جماعة وروى عنه الدارقطني‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 259‏)‏

وكان ثقة عدلاً كثير التلاوة فقيهاً، مكث يشهد على الحكام ثلاثاً وسبعين سنة، مقبولاً عندهم، وأذن في مسجد حمزة الزيات نيفاً وسبعين سنة، وكذلك أبوه من قبله‏.‏

محمد بن علي بن أحمد بن العباس

الكرخي الأديب، كان عالماً زاهداً ورعاً، يختم القرآن كل يوم ويديم الصيام، سمع الحديث من عبدان وأقرانه‏.‏

 أبو الخير التيناني

العابد الزاهد، أصله من العرب، كان مقيماً بقرية يقال لها‏:‏ تينان، من عمل إنطاكية، ويعرف بالأقطع لأنه كان مقطوع اليد، كان قد عاهد الله عهداً ثم نكثه، فاتفق له أنه مسك مع جماعة من اللصوص في الصحراء وهو هناك سائح يتعبد، فأخذ معهم فقطعت يده معهم، وكانت له أحوال وكرامات، وكان ينسج الخوص بيده الواحدة‏.‏

دخل عليه بعض الناس فشاهد منه ذلك فأخذ منه العهد أن لا يخبر به أحداً ما دام حياً، فوفى له بذلك‏.‏

 ثم دخلت سنة أربع وأربعين وثلاثمائة

قال ابن الجوزي‏:‏ فيها شمل الناس ببغداد وواسط وأصبهان والأهواز داء مركب من دم وصفراء ووباء، مات بسبب ذلك خلق كثير، بحيث كان يموت في كل يوم قريب من ألف نفس، وجاء فيها جراد عظيم أكل الخضروات والأشجار والثمار‏.‏

وفي المحرم منها عقد معز الدولة لابنه أبي منصور بختيار الأمر من بعده بأمرة الأمراء‏.‏

وفيها‏:‏ خرج رجل من أذربيجان ادعى أنه يعلم الغيب، وكان يحرم اللحم وما يخرج من الحيوانات، فأضافه مرة رجل فجاءه بطعام كشكية بشحم فأكله، فقال له الرجل بحضرة من معه‏:‏ إنك تدعي أنك تعلم الغيب وهذا طعام فيه شحم وأنت تحرمه فلم لا علمته‏؟‏

فتفرق عنه الناس‏.‏ وفيها‏:‏ جرت حروب كثيرة بين المعز الفاطمي وبين صاحب الأندلس عبد الرحمن الناصر الأموي، استقصاها ابن الأثير‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 260‏)‏

 وممن توفي فيها من الأعيان‏:‏

عثمان بن أحمد

ابن عبد الله بن يزيد أبو عمرو الدقاق المعروف بابن السماك، روى عن حنبل بن إسحاق وغيره، وعنه الدارقطني وغيره، وكان ثقة ثبتاً، كتب المصنفات الكثيرة بخطه، توفي في ربيع الأول منها، ودفن بمقبرة باب التبن، وحضر جنازته خمسون ألفاً‏.‏

محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد

أبو جعفر القاضي السمناني، ولد سنة إحدى وستين ومائتين، وسكن بغداد وحدث بها، وكان ثقة عالماً فاضلاً سخياً حسن الكلام، عراقي المذهب، وكانت داره مجمع العلماء، ثم ولي قضاء الموصل وتوفي بها في هذه السنة في ربيع الأول منها‏.‏

محمد بن أحمد بن بطة بن إسحاق الأصبهاني

أبو عبد الله، سكن نيسابور ثم عاد إلى أصبهان‏.‏

وليس هذا بعبد الله بن بطة العكبري، هذا متقدم عليه، هذا شيخ الطبراني وابن بطة الثاني يروي عن الطبراني، وهذا بضم الباب من بطة، وابن بطة الثاني وهو الفقيه الحنبلي بفتحها‏.‏

وقد كان جد هذا، وهو ابن بطة بن إسحاق أبو سعيد، من المحدثين أيضاً‏.‏

ذكره ابن الجوزي في ‏(‏منتظمه‏)‏‏.‏

 محمد بن محمد بن يوسف بن الحجاج

أبو النضر الفقيه الطوسي، كان عالماً ثقة عابداً، يصوم النهار ويقوم الليل، ويتصدق بالفاضل من قوته، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وقد رحل في طلب الحديث إلى الأقاليم النائية والبلدان المتباعدة، وكان قد جزأ الليل ثلاثة أجزاء، فثلث للنوم، وثلث للتنصيف، وثلث للقراءة‏.‏

وقد رآه بعضهم في النوم بعد وفاته فقال له‏:‏ وصلت إلى ما طلبت‏؟‏

فقال‏:‏ أي والله نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد عرضت مصنفاتي في الحديث عليه فقبلها‏.‏

 أبو بكر الحداد

الفقيه الشافعي، هو محمد بن أحمد بن محمد أبو بكر بن الحداد أحد أئمة الشافعية، روى عن النسائي، وقال‏:‏ رضيت به حجة بيني وبين الله عز وجل‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 261‏)‏

وقد كان ابن الحداد فقيهاً فروعياً، ومحدثاً ونحوياً وفصيحاً في العبارة، دقيق النظر في الفروع، وله كتاب في ذلك غريب الشكل، وقد ولي القضاء بمصر نيابة عن أبي عبيد بن حربويه‏.‏

ذكرناه في طبقات الشافعية‏.‏

 أبو يعقوب الأذرعي

إسحاق بن إبراهيم بن هاشم بن يعقوب النهدي، قال ابن عساكر‏:‏ من أهل أذرعات - مدينة بالبلقاء - أحد الثقات من عباد الله الصالحين‏.‏

رحل وحدث عنه جماعة من أجل أهل دمشق وعبادها وعلمائها، وقد روى عنه ابن عساكر أشياء تدل على صلاحه وخرق العادة له، فمن ذلك قال‏:‏ إني سألت الله أن يقبض بصري فعميت، فلما استضررت بالطهارة سألت الله عوده فرده علي‏.‏

توفي بدمشق في هذه السنة - سنة أربع وخمسين - وصححه ابن عساكر وقد نيف على التسعين‏.‏

 ثم دخلت سنة خمس وأربعين وثلاثمائة

وفيها‏:‏ عصى الروزبهان على معز الدولة وانحاز إلى الأهواز ولحق به عامة من كان مع المهلبي الذي كان يحاربه، فلما بلغ ذلك معز الدولة لم يصدقه لأنه كان قد أحسن إليه ورفع من قدره بعد الضعة والخمول، ثم تبين له أن ذلك حق، فخرج لقتاله وتبعه الخليفة المطيع لله خوفاً من ناصر الدولة بن حمدان فإنه قد بلغه أنه جهز جيشاً مع ولده أبي المرجّا جابر إلى بغداد ليأخذها، فأرسل معز الدولة حاجبه سبكتكين إلى بغداد، وصمد معز الدولة إلى الروزبهان فاقتتلوا قتالاً شديداً، وهزمه معز الدولة وفرق أصحابه وأخذه أسيراً إلى بغداد فسجنه، ثم أخرجه ليلاً وغرقه، لأن الديلم أرادوا إخراجه من السجن قهراً‏.‏

وانطوى ذكر روزبهان وإخوته، وكان قد اشتعل اشتعال النار‏.‏

وحظيت الأتراك عند معز الدولة وانحطت رتبة الديلم عنده، لأنه ظهر له خيانتهم في أمر الروزبهان وإخوته‏.‏

وفيها‏:‏ دخل سيف الدولة إلى بلاد الروم فقتل وسبى ورجع إلى حلب، فحميت الروم فجمعوا وأقبلوا إلى ميافارقين فقتلوا وسبوا وحرقوا ورجعوا، وركبوا في البحر إلى طرسوس فقتلوا من أهلها ألفاً وثمانمائة وسبوا وحرقوا قرى كثيرة‏.‏

وفيها‏:‏ زلزلت همذان زلزالاً شديداً تهدمت البيوت وانشق قصر شيرين بصاعقة، ومات تحت الهدم خلق كثير لا يحصون كثرة، ووقعت فتنة عظيمة بين أهل أصبهان وأهل قم بسبب سب الصحابة من أهل قم، فثاروا عليهم أهل أصبهان وقتلوا منهم خلقاً كثيراً، ونهبوا أموال التجار، فغضب ركن الدولة لأهل قم، لأنه كان شيعياً، فصادر أهل أصبهان بأموال كثيرة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 262‏)‏

 وفيها توفي من الأعيان‏:‏

 غلام ثعلب

محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم أبو عمرو الزاهد غلام ثعلب، روى عن الكديمي وموسى بن سهل الوشاء وغيرهما، روى عنه جماعة، وآخر من حدث عنه أبو علي بن شاذان وكان كثير العلم والزهد حافظاً مطيقاً يملي من حفظه شيئاً كثيراً، ضابطاً لما يحفظه‏.‏

ولكثرة إغرابه اتهمه بعض الرواة ورماه بالكذب، وقد اتفق له مع القاضي أبي عمر حكاية - وكان يؤدب ولده - فإنه أملى من حفظه ثلاثين مسألة بشواهدها وأدلتها من لغة العرب، واستشهد على بعضها ببيتين غريبين جداً، فعرضهما القاضي أبو عمر على ابن دريد وابن الأنباري وابن مقسم، فلم يعرفوا منهما شيئاً‏.‏

حتى قال ابن دريد‏:‏ هذا ما وضعه أبو عمرو من عنده، فلما جاء أبو عمرو ذكر له القاضي ما قال ابن دريد عنه، فطلب أبو عمرو أن يحضر له من كتبه دواوين العرب‏.‏

فلم يزل أبو عمرو يعمد إلى كل مسألة ويأتيه بشاهد بعد شاهد حتى خرج من الثلاثين مسألة ثم قال‏:‏ وأما البيتان فإن ثعلباً أنشدناهما وأنت حاضر فكتبتهما في دفترك الفلاني، فطلب القاضي دفتره فإذا هما فيه، فلما بلغ ذلك ابن دريد كف لسانه عن أبي عمرو الزاهد فلم يذكره حتى مات‏.‏

توفي أبو عمرو هذا يوم الأحد ودفن يوم الاثنين الثالث عشر من ذي القعدة، ودفن في الصفة المقابلة لقبر معروف الكرخي ببغداد رحمه الله‏.‏

 محمد بن علي بن أحمد بن رستم

أبو بكر المادرائي الكاتب، ولد في سنة خمس وخمسين ومائتين بالعراق، ثم صار إلى مصر هو وأخوه أحمد مع أبيهما، وكان على الخراج لخمارويه بن أحمد بن طولون، ثم صار هذا الرجل من رؤوساء الناس وأكابرهم، سمع الحديث من أحمد بن عبد الجبار وطبقته‏.‏

وقد روى الخطيب عنه أنه قال‏:‏ كان ببابي شيخ كبير من الكتّاب قد تعطل عن وظيفته، فرأيت والدي في المنام وهو يقول‏:‏ يا بني أما تتقي الله‏؟‏أنت مشغول بلذاتك والناس ببابك يهلكون من العرى والجوع، هذا فلان قد تقطع سراويله ولا يقدر على إبداله، فلا تهمل أمره‏.‏

فاستيقظت مذعوراً وأنا أناوله الإحسان، ثم نمت فأنسيت المنام، فبينا أنا أسير إلى دار الملك، فإذا بذلك الرجل الذي ذكره على دابة ضعيفة، فلما رآني أراد أن يترجل لي فبدا لي فخذه وقد لبس الخف بلا سراويل، فلما رأيت ذلك ذكرت المنام فاستدعيت به وأطلقت له ألف دينار وثياب، ورتبت له على وظيفته مائتي دينار كل شهر، ووعدته بخير في الآجل أيضاً‏.‏

 أحمد بن محمد بن إسماعيل

ابن إبراهيم طباطبا بن إسماعيل بن إبراهيم بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب، الشريف الحسني الرسي - أبو القاسم المصري الشاعر - كان نقيب الطالبين بمصر ومن شعره قوله‏:‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 263‏)‏

قالت‏:‏ لطيف خيال زارني ومضى * بالله صفه، ولا تنقص ولا تزد

فقلت‏:‏ أبصرته لو مات من ظمأ * وقال‏:‏ قف لا ترد الماء لم يرد

قالت‏:‏ صدقت، وفاء الحب عادته * يا برد ذاك الذي قالت على كبدي

توفي ليلة الثلاثاء لخمس بقين من هذه السنة‏.‏

 ثم دخلت سنة ست وأربعين وثلاثمائة

فيها‏:‏ وقعت فتنة بين أهل الكرخ وأهل السنة بسبب السب، فقتل من الفريقين خلق كثير‏.‏

وفيها‏:‏ نقص البحر المالح ثمانين ذراعاً‏.‏

ويقال‏:‏ باعاً، فبدت به جبال وجزائر وأماكن لم تكن ترى من قبل ذلك‏.‏

وفيها‏:‏ كان بالعراق وبلاد الري والجبل وقم ونحوها زلازل كثيرة مستمرة نحو أربعين يوماً، تسكن ثم تعود، فتهدمت بسبب ذلك أبنية كثيرة وغارت مياه كثيرة، ومات خلق كثير‏.‏

وفيها‏:‏ تجهز معز الدولة بن بويه لقتال ناصر الدولة بن حمدان بالموصل، فراسله ناصر الدولة والتزم له بأموال يحملها إليه كل سنة، فسكت عنه، ثم إنه مع ما اشترط على نفسه لم يرجع عنه معز الدولة، بل قصده في السنة الآتية كما سيأتي بيانه‏.‏

وفي تشرين منها كثرت في الناس أورام في حلوقهم ومناخرهم، وكثر فيهم موت الفجأة، حتى إن لصاً نقب داراً ليدخلها فمات وهو في النقب‏.‏

ولبس القاضي خلعة القضاء ليخرج للحكم فلبس إحدى خفيه فمات قبل أن يلبس الأخرى‏.‏

 وممن توفي فيها من الأعيان‏:‏

 أحمد بن عبد الله بن الحسين

أبو هريرة العذري، المستملي على المشايخ، كتب عن أبي مسلم الكجي وغيره، وكان ثقة توفي في ربيع الأول منها‏.‏

 الحسن بن خلف بن شاذان

أبو علي الواسطي روى عن إسحاق الأزرق ويزيد بن هارون وغيرهما، وروى عنه البخاري في صحيحه‏.‏

توفي في هذه السنة‏.‏

هكذا رأيت ابن الجوزي ذكر هذه الترجمة في هذه السنة في ‏(‏منتظمه‏)‏والله أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 264‏)‏

 أبو العباس الأصم

محمد بن يعقوب بن يوسف بن معقل بن سنان بن عبد الله الأموي مولاهم أبو العباس الأصم، مولده في سنة سبع وأربعين ومائتين، رأى الذهلي ولم يسمع ولم يسمع منه، ورحل به أبوه إلى أصبهان ومكة ومصر والشام والجزيرة وبغداد وغيرها من البلاد، فسمع الكثير بها عن الجم الغفير، ثم رجع إلى خراسان وهو ابن ثلاثين سنة، وقد صار محدثاً كبيراً، ثم طرأ عليه الصمم فاستحكم حتى كان لا يسمع نهيق الحمار، وكان مؤذناً في مسجده ثلاثين سنة، وحدث ستاً وسبعين سنة، فألحق الأحفاد بالأجداد، وكان ثقة صادقاً ضابطاً لما سمعه ويسمعه، كف بصره قبل موته بشهر، وكان يحدث من حفظه بأربعة عشر حديثاً، وسبع حكايات ومات وقد بقي له سنة من المائة‏.‏

 ثم دخلت سنة سبع وأربعين وثلاثمائة

فيها‏:‏ كانت زلزلة ببغداد في شهر نيسان وفي غيرها من البلاد الشرقية، فمات بسببها خلق كثير، وخربت دور كثير، وظهر في آخر نيسان وشهر أيار جراد كثير أتلف الغلات الصيفية والثمار‏.‏

ودخلت الروم آمد، وميّا فارقين فقتلوا ألفاً وخمسمائة إنسان، وأخذوا مدينة سمساط وأخربوها‏.‏

وفي المحرم منها ركب معز الدولة إلى الموصل فأخذها من يد ناصر الدولة، وهرب ناصر الدولة إلى نصيبين، ثم إلى ميا فارقين، فلحقه معز الدولة فصار إلى حلب إلى عند أحيه سيف الدولة، ثم أرسل سيف الدولة إلى معز الدولة في المصالحة بينه وبين أخيه، فوقع الصلح على أن يحمل ناصر الدولة في كل سنة ألفي ألف وتسعمائة ألف، ورجع معز الدولة إلى بغداد بعد انعقاد الصلح، وقد امتلأت البلاد رفضاً وسبّاً للصحابة من بني بويه وبني حمدان والفاطميين، وكل ملوك البلاد مصراً وشاماً وعراقاً وخراسان وغير ذلك من البلاد، كانوا رفضاً، وكذلك الحجاز وغيره، وغالب بلاد المغرب، فكثر السب والتكفير منهم للصحابة‏.‏

وفيها‏:‏ بعث المعز الفاطمي مولاه أبا الحسن جوهر القائد في جيوش معه ومعه زيري بن هناد الصنهاجي ففتحوا بلاداً كثيرة من أقصى بلاد المغرب، حتى انتهوا إلى البحر المحيط، فأمر جوهر بأن يصطاد له منه سمك، فأرسل به في قلال الماء إلى المعز الفاطمي، وحظي عنده جوهر وعظم شأنه حتى صار بمنزلة الوزير‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 265‏)‏

 وممن توفي فيها من الأعيان‏:‏

الزبير بن عبد الرحمن

ابن محمد بن زكريا بن صالح بن إبراهيم‏.‏

أبو عبد الله الاستراباذي، رحل وسمع الحديث وطوف الأقاليم، سمع الحسن بن سفيان وابن خزيمة وأبا يعلى وخلقاً، وكان حافظاً متقناً صدوقاً، صنف الشروح والأبواب‏.‏

 أبو سعيد بن يونس

صاحب تاريخ مصر، هو عبد الرحمن بن يونس بن عبد الأعلى الصدفي المصري المؤرخ، كان حافظاً مكثراً خبيراً بأيام الناس وتواريخهم، له تاريخ مفيد جداً لأهل مصر ومن ورد إليها‏.‏

وله ولد يقال له‏:‏ أبو الحسن علي، كان منجماً له زيج مفيد يرجع إليه أصحاب هذا الفن، كما يرجع أصحاب الحديث إلى أقوال أبيه وما يؤرخه وينقله ويحكيه، ولد الصدفي سنة إحدى وثمانين ومائتين، وتوفي في هذه السنة يوم الاثنين السادس والعشرين من جمادى الآخرة في القاهرة‏.‏

 ابن درستويه النحوي

عبد الله بن جعفر بن دُرُستويه بن المرزبان أبو محمد الفارسي النحوي سكن بغداد وسمع عباساً الدوري وابن قتيبة والمبرّد، وسمع منه الدارقطني وغيره من الحافظ، وأثنى عليه غير واحد، منهم أبو عبد الله بن منده، توفي في صفر منها، وذكر له ابن خلكان مصنفات كثيرة مفيدة، فيما يتعلق باللغة والنحو وغيره‏.‏

 محمد بن الحسن

ابن عبد الله بن علي بن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، أبو الحسن القرشي الأموي قاضي بغداد، كان حسن الأخلاق طلابة للحديث، ومع هذا كان ينسب إلى أخذ الرشوة في الأحكام والولايات رحمه الله‏.‏

 محمد بن علي

أبو عبد الله الهاشمي الخاطب الدمشقي‏.‏

وأظنه الذي تنسب إليه حارة الخاطب من نواحي باب الصغير، كان خطيب دمشق في أيام الأخشيد، وكان شاباً حسن الوجه مليح الشكل، كامل الخلق‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 266‏)‏

توفي يوم الجمعة السابع والعشرين من ربيع الأول من هذه السنة، وحضر جنازته نائب السلطنة وخلق كثير لا يحصون كثرة، هكذا أرخه ابن عساكر، ودفن بباب الصغير‏.‏

 ثم دخلت سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة

فيها‏:‏ كانت فتنة بين الرافضة وأهل السنة، قتل فيها خلق كثير، ووقع حريق بباب الطاق، وغرق في دجلة خلق كثير من الحجاج الموصل نحو من ستمائة نفس‏.‏

وفيها‏:‏ دخلت الروم طرسوس والرها وقتلوا وسبوا، وأخذوا الأموال ورجعوا‏.‏

وفيها‏:‏ قلت الأمطار وغلت الأسعار واستسقى الناس فلم يسقوا، وظهر جراد عظيم في آذار فأكل ما نبت من الخضراوات، فاشتد الأمر جداً على الخلق فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن‏.‏

وفيها‏:‏ عاد معز الدولة إلى بغداد من الموصل وزوج ابنته من ابن أخيه مؤيد الدولة بن معز الدولة، وسيرها معه إلى بغداد‏.‏

 وممن توفي من الأعيان‏:‏

 إبراهيم بن شيبان القرميسيني

شيخ الصوفية بالجبل، صحب أبا عبد الله المغربي‏.‏

ومن جيد كلامه قوله‏:‏ إذا سكن الخوف القلب أحرق مواضع الشهوات منه، وطرد عنه الرغبة في الدنيا‏.‏

 أبو بكر النجاد

أحمد بن سليمان بن الحسن بن إسرائيل بن يونس، أبو بكر النجاد الفقيه، أحد أئمة الحنابلة ولد سنة ثلاث وخمسين ومائتين، سمع عبد الله بن أحمد وأبا داود، والباغندي وابن أبي الدنيا وخلقاً كثيراً، وكان يطلب الحديث ماشياً حافياً، وقد جمع المسند وصنف في السنن كتاباً كبيراً، وكان له بجامع المنصور حلقتان، واحدة للفقه وأخرى لإملاء الحديث‏.‏

وحدث عنه الدارقطني وابن رزقويه وابن شاهين وأبو بكر بن مالك القطيعي وغيرهم، وكان يصوم الدهر ويفطر كل ليلة على رغيف ويعزل منه لقمة، فإذا كانت ليلة الجمعة أكل اللقم وتصدق بالرغيف صحيحاً‏.‏

توفي ليلة الجمعة لعشرين من ذي الحجة عن خمس وتسعين سنة، ودفن قريباً من قبر بشر الحافي رحمه الله‏.‏

 جعفر بن محمد بن نصير بن القاسم

أبو محمد الخواص المعروف بالخلدي، سمع الكثير وحدث كثيراً، وحج ستين حجة، وكان ثقة صدوقاً ديناً‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 267‏)‏

 محمد بن إبراهيم بن يوسف بن محمد

أبو عمر الزجاج النيسابوري، صحب أبا عثمان والجنيد والنوري والخواص وغيرهم، وأقام بمكة وكان شيخ الصوفية بها، وحج ستين حجة، ويقال‏:‏ إنه مكث أربعين سنة لم يتغوط ولم يبل إلا خارج الحرم بمكة‏.‏

 محمد بن جعفر بن محمد بن فضالة

ابن يزيد بن عبد الملك أبو بكر الأدمي، صاحب الألحان، كان حسن الصوت بتلاوة القرآن وربما سمع صوته من بعد في الليل، وحج مرة مع أبي القاسم البغوي، فلما كانوا بالمدينة دخلوا المسجد النبوي فوجدوا شيخاً أعمى يقص على الناس أخباراً موضوعة مكذوبة، فقال البغوي‏:‏ ينبغي الإنكار عليه‏.‏

فقال له بعض أصحابه‏:‏ إنك لست ببغداد يعرفك الناس إذا أنكرت عليه، ومن يعرفك هنا قليل والجمع كثير، ولكن نرى أن تأمر أبا بكر الأدمي فيقرأ، فأمره فاستفتح فقرأ فلم يتم الاستعاذة حتى انجفل الناس عن ذلك الأعمى وتركوه، وجاؤوا إلى أبي بكر ولم يبق عند الضرير أحد، فأخذ الأعمى بيد قائده وقال له‏:‏ اذهب بنا فهكذا تزول النعم‏.‏

توفي في الأربعاء لليلتين بقيتا من ربيع الأول من هذه السنة، عن ثمان وثمانين سنة، وقد رآه بعضهم في المنام فقال له‏:‏ ما فعل الله بك‏؟‏

قال‏:‏ وقفني بين يديه وقاسيت شدائد وأهوالاً‏.‏

فقلت له‏:‏ فتلك القراءة الحسنة وذلك الصوت الحسن وتلك المواقف‏؟‏

فقال‏:‏ ما كان شيء أضر علي من ذلك، لأنها كانت للدنيا‏.‏

فقلت‏:‏ إلى أي شيء انتهى أمرك‏؟‏

فقال‏:‏ قال الله عز وجل‏:‏ آليت على نفسي أن لا أعذب أبناء الثمانين‏.‏

 أبو محمد عبد الله بن أحمد بن علي

ابن الحسن بن إبراهيم بن طباطبا بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي المصري، كان من ساداتها وكبرائها، لا تزال الحلوى تعقد بداره، ولا يزال رجل يكسر اللوز بسببها، وللناس عليه رواتب من الحلوى، فمنهم من يهدي إليه كل يوم، ومنهم في الجمعة، ومنهم في الشهر‏.‏

وكان لكافرو الأخشيد عليه في كل يوم جامان ورغيف من الحلوى، ولما قدم المعز الفاطمي إلى القاهرة وتلقاه سأله‏:‏ إلى من ينتسب مولانا من أهل البيت‏؟‏

فقال‏:‏ الجواب إلى أهل البلد، فلما دخل القصر جمع الأشارف وسلّ نصف سيفه وقال‏:‏ هذا نسبي، ثم نثر عليهم الذهب وقال‏:‏ هذا حسبي‏.‏

فقالوا‏:‏ سمعنا وأطعنا‏.‏

والصحيح أن القائل للمعز هذا الكلام ابن هذا أو شريف آخر فالله أعلم‏.‏

فإن وفاة هذا كانت في هذا العام عن ثنتين وستين سنة، والمعز إنما قدم مصر في سنة ثنتين وستين وثلاثمائة كما سيأتي‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 268‏)‏

 ثم دخلت سنة تسع وأربعين وثلاثمائة

فيها‏:‏ ظهر رجل بأذربيجان من أولاد عيسى بن المكتفي بالله فلقب بالمتسجير بالله ودعا إلى الرضا من آل محمد، وذلك لفساد دولة المرزبان في ذلك الزمان، فاقتتلوا قتالاً شديداً ثم انهزم أصحاب المستجير وأخذ أسيراً فمات، واضمحل أمره‏.‏

وفيها‏:‏ دخل سيف الدولة بن حمدان بلاد الروم فقتل من أهلها خلقاً كثيراً، وفتح حصوناً، وأحرق بلداناً كثيرة، وسبى وغنم وكر راجعاً، فأخذت الروم عليه فمنعوه من الرجوع ووضعوا السيف في أصحابه فما نجا هو في ثلاثمائة فارس إلا بعد جهد جهيد‏.‏

وفيها‏:‏ كانت فتنة عظيمة ببغداد بين الرافضة وأهل السنة قتل فيها خلق كثير، وفي أخرها توفي أنوجور بن الأخشيد صاحب مصر، فأقام بالأمر بعده أخوه علي‏.‏

وفيها‏:‏ مات أبو القاسم عبد الله بن أبي عبد الله البريدي الذي كان صاحب الأهواز وواسط‏.‏

وفيها‏:‏ رجع حجيج مصر من مكة فنزلوا وادياً، فجاءهم سيل فأخذهم فألقاهم في البحر عن آخرهم‏.‏

وفيها‏:‏ أسلم من الترك مائتا ألف خركاة فسموا ترك إيمان، ثم خفف اللفظ بذلك فقيل‏:‏ تركمان‏.‏

 وممن توفي فيها من الأعيان‏:‏

 جعفر بن حرب الكاتب

كانت له نعمة وثروة عظيمة تقارب أبهة الوزارة، فاجتاز يوماً وهو راكب في موكب له عظيم، فسمع رجلاً يقرأ‏:‏ ‏{‏أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 16‏]‏‏.‏

فصاح‏:‏ اللهم بلى، وكررها دفعات ثم بكى ثم نزل عن دابته ونزع ثيابه وطرحها ودخل دجلة، فاستتر بالماء ولم يخرج منه حتى فرّق جميع أمواله في المظالم التي كانت عليه، وردها إلى أهلها، وتصدق بالباقي ولم يبق له شيء بالكلية، فاجتاز به رجل فتصدق عليه بثوبين فلبسهما، وخرج فانقطع إلى العلم والعبادة حتى مات رحمه الله‏.‏

 أبو علي الحافظ

ابن علي بن يزيد بن داود أبو علي الحافظ النيسابوري، أحد أئمة الحفاظ المتقنين المصنفين‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 269‏)‏

قال الدارقطني‏:‏ كان إماماً مهذباً‏.‏

وكان ابن عقدة لا يتواضع لأحد كتواضعه له‏.‏

توفي في جمادى الآخرة عن اثنتين وخمسين سنة‏.‏

حسان بن محمد بن أحمد بن مروان

أبو الوليد القرشي الشافعي إمام أهل الحديث بخراسان في زمانه، وأزهدهم وأعبدهم، أخذ الفقه عن ابن سريج وسمع الحديث من الحسن بن سفيان وغيره، وله التصانيف المفيدة، وقد ذكرنا ترجمته في الشافعيين‏.‏

كانت وفاته ليلة الجمعة لخمس مضين من ربيع الأول من هذه السنة، عن ثنتين وسبعين سنة‏.‏

 حمد بن إبراهيم بن الخطاب

أبو سليمان الخطابي، سمع الكثير وصنف التصانيف الحسان، منها ‏(‏المعالم‏)‏ شرح فيها سنن أبي داود، ‏(‏والأعلام‏)‏ شرح فيه البخاري، و‏(‏غريب الحديث‏)‏‏.‏

وله فهم مليح وعلم غزير ومعرفة باللغة والمعاني والفقه‏.‏

ومن أشعاره قوله‏:‏

ما دمت حياً فدار الناس كلهم * فإنما أنت في دار المداراة

من يدر داري ومن لم يدر سوف يرى * عما قليل نديما للندامات

هكذا ترجمه أبو الفرج بن الجوزي حرفاً بحرف‏.‏

عبد الواحد بن عمر بن محمد

ابن أبي هاشم، كان من أعلم الناس بحروف القراءات، وله في ذلك مصنفات، وكان من الأمناء الثقات، روى عن ابن مجاهد وأبي بكر بن أبي داود، وعنه أبو الحسن الحماني، توفي في شوال منها، ودفن بمقبرة الخيزران‏.‏

 أبو أحمد العسال

الحافظ محمد بن أحمد بن إبراهيم بن سليمان بن محمد أبو أحمد العسال الأصبهاني، أحد الأئمة الحفاظ وأكابر العلماء، سمع الحديث وحدث به‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 11/ 270‏)‏

قال ابن منده‏:‏ كتبت عن ألف شيخ لم أر أفهم ولا أتقن من أبي أحمد العسال‏.‏

توفي في رمضان منها رحمه الله، والله سبحانه أعلم‏.‏